في ظل الاحتفاء الرسمي بإنجازات العام الدراسي الجديد 2025/2026، يواصل ملف تطوير المناهج التعليمية في مصر إثارة جدل واسع بين الوعود الطموحة لوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، والتحديات اليومية التي يواجهها الميدان التعليمي. بينما تتحدث الوزارة عن “ثورة تعليمية” تهدف إلى بناء جيل يواكب متطلبات سوق العمل العالمي، يصف أولياء الأمور والمعلمون الواقع بأنه “نظام قهر وتعذيب” يعتمد على التجارب العشوائية دون استماع حقيقي لصوت الميدان.
الوعود الرسمية: خطة شاملة للتطوير
أعلنت الوزارة، بقيادة الدكتور محمد عبد اللطيف، عن إكمال تطوير 94 منهجاً دراسياً لجميع المراحل التعليمية، مع التركيز على التيسير والربط بالمهارات الحياتية. وفقاً للإعلان الرسمي في أغسطس الماضي، شمل التطوير مواد اللغة العربية، الرياضيات، الدراسات الاجتماعية، والتربية الدينية، بهدف ترسيخ القيم الوطنية وتعزيز التفكير النقدي. كما تم التعاقد مع الجانب الياباني لتطوير مناهج الرياضيات باستخدام منهجية تبسيطية، وإدخال البرمجة كمادة أساسية في المرحلة الثانوية، ليصبح التعليم “جسرًا للمنافسة العالمية”.
أكد الوزير في تصريحات تلفزيونية أن هذه الخطة جزء من رؤية مصر 2030، حيث تم خفض الكثافات الطلابية إلى أقل من 50 طالبًا في الصف، وسد عجز 460 ألف معلم، مع تدريب آلاف المعلمين على التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن المناهج الجديدة ستُطبق تدريجيًا، مع توفير كتب التقييم مجانًا لتخفيف الأعباء عن الأسر، وإصدار كتب إلكترونية للعام الدراسي الجديد.
حقائق الميدان: غضب الشارع التعليمي
رغم هذه الوعود، يصف الشارع التعليمي الواقع بأنه “انهيار منظومة”، حيث أدى التغيير المتكرر للمناهج – منذ 2018 – إلى فقدان الاستقرار. أولياء الأمور يشكون من “مناهج مستحيلة” تفرض تقييمات أسبوعية، وكتب باهظة الثمن، مع غياب تدريب كافٍ للمعلمين، مما يحول الأمهات إلى “معلمات بديلة” في المنازل. في استطلاعات على وسائل التواصل، أعربت نسبة كبيرة عن رفض الذهاب إلى المدارس، معتبرين المناهج “مستوردة” لا تناسب الثقافة المصرية أو متطلبات السوق المحلي.
معلمون ونشطاء تربويون يتهمون الوزارة بعدم الاستماع للميدان، حيث يتم إصدار المناهج “فجأة” دون استطلاع آراء حقيقي، وتُضاف مواد مثل الذكاء الصناعي دون بنية تحتية كافية. كما أثارت إعادة هيكلة الثانوية – بتقليل حصص الفلسفة والفنون – مخاوف من “طمس الشخصية المصرية”، مع عجز مستمر في المعلمين يصل إلى 460 ألف، وكثافات تصل إلى 250 طالبًا في بعض الفصول رغم الإعلانات الرسمية. وفي منشورات على إكس، وصف أحد النشطاء الوضع بأنه “تدمير ممنهج” لإنتاج جيل “مش فاهم ومش بيسأل”.
بين الوعد والواقع: هل هناك حل؟
يبدو أن الفجوة بين الوعود والحقائق تكمن في غياب الإشراك الحقيقي لأهل الميدان، حيث تُفرض التغييرات كـ”خطة دولة” دون مراعاة التحديات المالية واللوجستية للأسر. خبراء تربويون يدعون إلى خطط مدروسة قصيرة وبعيدة المدى، مع توحيد الدوام وإعادة تصنيف المراحل لتناسب الفئات العمرية، وتجنب القرارات المفاجئة. في الختام، يظل السؤال مفتوحًا: هل ستكون هذه المناهج الجديدة خطوة نحو النهضة، أم مجرد فصل آخر في سلسلة التجارب الفاشلة؟ الإجابة تكمن في كيفية استجابة الوزارة لصوت الميدان قبل فوات الأوان.


