في ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الخمس الماضية، يبرز تغير ملحوظ في مزاج الناخب المصري، كما يعكسه نتائج الانتخابات التشريعية لمجلسي النواب والشيوخ في عام 2025 مقارنة بعام 2020. هذه التغييرات ليست مجرد أرقام، بل تعكس تطوراً في الوعي الانتخابي وارتفاعاً في نسب المشاركة، مما يشير إلى استشعار الناخبين لـ”التغيير” كما وصفه رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، القاضي حازم بدوي. ومع ذلك، يظل الهيمنة الحزبية للقوى الموالية للحكومة قائمة، مع بعض التنوع في التوزيع.
ارتفاع المشاركة: دليل على تغير المزاج
في انتخابات مجلس النواب 2025، بلغت نسبة المشاركة 32.41%، مع إدلاء أكثر من 22 مليون ناخب بأصواتهم من إجمالي 69.9 مليون ناخب مسجل. هذا الرقم يمثل زيادة ملحوظة مقارنة بانتخابات 2020، حيث كانت النسبة حوالي 28-29%. أما في مجلس الشيوخ، فقد ارتفعت المشاركة من 14% في 2020 إلى 17% في 2025، مع فوز القائمة الوطنية “من أجل مصر” بالتزكية في نظام القوائم.
يُعزى هذا الارتفاع، وفقاً لمراقبين، إلى تنامي الوعي السياسي بين الناخبين، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت البلاد. قال بدوي إن “الناخب استشعر التغيير فتنامت نسب التصويت”، مشيراً إلى أن الانتخابات شهدت إقبالاً متزايداً في كل جولة. كما أكدت تقارير أن النتائج تعكس “تنوع اتجاهات الناخبين”، مع ظهور قوى جديدة وتراجع بعض الوجوه التقليدية.
الخريطة الحزبية: استمرار الهيمنة مع تنوع طفيف
في مجلس النواب 2025، اكتمل التشكيل بـ568 نائباً منتخباً، بعد جولات إعادة في 27 دائرة بسبب أحكام قضائية. يظل حزب “مستقبل وطن” الأكبر، محتفظاً بغالبية المقاعد في النظام الفردي، يليه حزب “حماة الوطن” كقوة ثانية بارزة. هذا يشبه إلى حد كبير انتخابات 2020، حيث فاز “مستقبل وطن” بـ316 مقعداً من إجمالي 596، مع سيطرة على 87 مقعداً في المرحلة الثانية. ومع ذلك، شهدت 2025 تنوعاً أكبر في المستقلين والأحزاب الصغيرة، مما يعكس تغيراً في تفضيلات الناخبين نحو برامج أكثر تركيزاً على القضايا المحلية.
أما مجلس الشيوخ، فقد فازت “القائمة الوطنية من أجل مصر” بكل المقاعد في نظام القوائم في كلا العامين 2020 و2025، مع غلبة “مستقبل وطن” في الفردي. الفرق الرئيسي هو الزيادة في المشاركة، التي تشير إلى اهتمام أكبر بالغرفة الثانية للبرلمان، رغم أنها لا تزال تُنظر إليها كأداة لتعزيز التوازن الحكومي.
تحليل التحول: من اللامبالاة إلى الالتزام
يُفسر الخبراء هذا التحول بتأثير الأزمات الاقتصادية، مثل التضخم والديون، التي دفع الناخبين للمشاركة أكثر للتأثير على السياسات التشريعية. كما أن الجدل حول “اللافتات والبرامج” في حملات 2025 يعكس توقعات أعلى من النواب، مقارنة بـ2020 التي شهدت مشاركة أقل بسبب الجائحة والاستقرار النسبي. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الانتخابات تمثل “محطة لإعادة إنتاج السلطة”، مع الحفاظ على التوازن الحكومي.
في الختام، يشير تحول مزاج الناخب إلى مرحلة جديدة من الالتزام المدني، لكن الخريطة التشريعية تبقى تحت سيطرة القوى الموالية. مع انعقاد البرلمان الجديد، ينتظر المصريون كيف سيترجم هذا التغيير إلى قوانين تلبي تطلعاتهم.


