قال وزير الخارجية والهجرة، بدر عبدالعاطي، إن “الاتزان الاستراتيجي” يُعد في الأساس عقيدة تحكم السياسة الخارجية المصرية، وهي عقيدة متجذرة في تاريخ الدبلوماسية المصرية سواء في العهد الملكي أو بعد ثورة 23 يوليو 1952، مشيراً إلى أن هذه العقيدة اكتسبت بعداً وتجسيداً أكثر وضوحاً وتحديداً منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مهام الحكم.
وأوضح عبد العاطي خلاة ندوة بمعرض الكتاب، أن الاتزان الاستراتيجي يجمع بين كونه مبدأً ثابتاً وعقيدة حاكمة، لافتاً إلى أن السياسة الخارجية لأي دولة كبرى أو متوسطة الحجم، مثل مصر، لا بد أن تقوم على عقيدة واضحة تحكم توجهاتها وأهدافها، وتحدد الأدوات التي تسعى الدولة لاستخدامها لتحقيق هذه الأهداف، فضلاً عن تحديد محددات هذه السياسة الخارجية.
وأكد أن مصر ليست استثناءً من ذلك، موضحاً أن هذا المبدأ يتسم في الوقت نفسه بالمرونة في التفاعل مع المتغيرات المتلاحقة التي يشهدها العالم على المستويين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن العقيدة التي صاغها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار العائلة المصرية، ينبثق عنها عدد من المبادئ الفرعية التي تحكم توجهات السياسة الخارجية المصرية.
عدم الاستقطاب ورفض الأحلاف
وأشار عبدالعاطي إلى أن من بين أبرز هذه المبادئ مسألة عدم الاستقطاب، في ظل ما يشهده العالم حالياً من حالة غير مسبوقة من الاستقطاب الدولي، ووجود أكثر من مركز للقوة في نظام عالمي لم تتشكل ملامحه النهائية بعد، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى جذب دول العالم، لا سيما الدول متوسطة الحجم، للاصطفاف إلى جانب توجهات بعينها.
وأوضح أن هذا الواقع يفرض على مصر بطبيعة الحال عدم الدخول في أي تحالفات، مؤكداً أن هذا المبدأ يُعد أصيلاً وراسخاً في السياسة الخارجية المصرية، وأن مواقف مصر التاريخية من سياسة الأحلاف معروفة ومترسخة، ومشدداً على أن مصر ضد أي شكل من أشكال الاستقطاب.
وأضاف أن امتلاك مصر علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة لا يمنعها على الإطلاق من إقامة علاقات استراتيجية مع الصين وروسيا الاتحادية والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، إلى جانب علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن السياسة الخارجية المصرية منفتحة على التعامل مع جميع الأطراف الفاعلة.
المصلحة الوطنية بوصلة السياسة الخارجية
وشدد وزير الخارجية على أن المبدأ الآخر المنبثق عن عقيدة الاتزان الاستراتيجي هو مبدأ المصلحة الوطنية المصرية، موضحاً أن هذه المصلحة تمثل البوصلة الأساسية التي تحدد توجهات السياسة الخارجية، وما يخدم الدولة المصرية وأولوياتها الوطنية.
وأكد أن الاتزان الاستراتيجي لا يعني على الإطلاق الحياد، سواء كان حياداً إيجابياً أو سلبياً، بل يعكس حياداً إيجابياً مصحوباً بالاشتباك الفاعل مع مختلف القضايا الإقليمية والدولية، والعمل على دفع أجندة أولويات الدولة المصرية، دون الدخول في تحالفات تصب في مصلحة طرف على حساب طرف آخر.
وأوضح أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على الدخول في شراكات مرنة، وليس تحالفات جامدة، مشيراً إلى أن هذه المرونة تعني إمكانية وجود علاقات قوية مع دولة ما في قضية إقليمية أو على المستوى الثنائي، مع وجود اختلافات كاملة معها في قضايا إقليمية أو دولية أخرى، دون أن يؤثر ذلك على الحفاظ على شراكات تحقق المصلحة الوطنية المصرية.
الحفاظ على الدولة الوطنية والقانون الدولي
وأشار عبدالعاطي إلى أن هناك مجموعة من المبادئ الفرعية الأخرى التي تندرج تحت مظلة الاتزان الاستراتيجي، من بينها عدم الاستقطاب، والحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، حتى وإن كانت هذه المؤسسات ضعيفة، مؤكداً أن الحفاظ عليها ضرورة لأن البديل يتمثل في الفراغ، وهو فراغ تملؤه التنظيمات الإرهابية أو الميليشيات أو المرتزقة أو الكيانات الخارجة عن إطار الدولة.
وأضاف أن الدفاع عن مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يخدم المصلحة الوطنية المصرية، خاصة بالنسبة لدولة متوسطة الحجم مثل مصر، موضحاً أن هذه المبادئ تمثل الضمانة الأساسية للأمن القومي المصري وللأمن الإقليمي والاستقرار، محذراً من أن التخلي عنها يعني الانزلاق إلى منطق “شريعة الغاب”.
وأكد أيضاً رفض مصر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحرصها على الحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها، والرفض الكامل لتقسيم الدول أو اجتزاء أجزاء من أقاليمها، مشيراً إلى أن هذا المبدأ ثابت وتطبقه مصر بمعيار واحد في مختلف الأزمات، سواء في ليبيا أو السودان أو اليمن أو الصومال أو سوريا أو لبنان، أو في أي دولة بالإقليم دون استثناء.


