شهد مجلس النواب، برئاسة المستشار هشام بدوي، اليوم الثلاثاء، يومًا برلمانيًا حافلًا بالملفات الاقتصادية والخدمية والتعليمية، بعدما ناقشت الجلسة العامة 4 اتفاقيات دولية تتعلق بمشروعات الصرف الصحي والصناعة الخضراء وتحلية المياه وتطوير تدريس اللغة الفرنسية بالمدارس الحكومية، تضمنت قرضين بقيمة إجمالية بلغت 155 مليون يورو، إلى جانب منح دولية غير مستردة.
ولم تمر الاتفاقيات الأربع دون نقاشات وملاحظات نيابية، إذ انقسمت المداخلات بين مؤيد لتمويل المشروعات التنموية، ومطالب بتوضيح العائد من القروض السابقة قبل الحصول على تمويلات جديدة، فيما حضرت أزمة تعيين المعلمين في اجتماعات لجنة التعليم، رغم اعتذار وزير التربية والتعليم عن الحضور.
155 مليون يورو.. أين تذهب القروض الجديدة؟
كان ملف الاقتراض أبرز محاور الجلسة العامة، بعدما وافق المجلس على قرضين جديدين؛ الأول بقيمة 110 ملايين يورو من بنك التنمية الأفريقي لاستكمال المرحلة الثالثة من محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر، والثاني بقيمة 45 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية لتمويل مشروع الصناعة الخضراء المستدامة.
الجبل الأصفر.. مليون متر مكعب إضافي من المياه المعالجة
ناقش المجلس قرار رئيس الجمهورية رقم 260 لسنة 2025، الخاص باتفاقيتي تمويل المرحلة الثالثة من محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالجبل الأصفر، بقيمة 110 ملايين يورو، إلى جانب منحة للدعم الفني بقيمة 230 ألف وحدة حسابية.
ويستهدف المشروع زيادة الطاقة الاستيعابية للمحطة بمقدار مليون متر مكعب يوميًا، لترتفع من 2.5 مليون إلى 3.5 مليون متر مكعب، وزيادة عدد المستفيدين من 12.5 مليون إلى 17.5 مليون مواطن، فضلًا عن توفير المياه المعالجة لنحو 70 ألف فدان من الأراضي الزراعية الجديدة.
وخلال المناقشات، برزت مداخلة النائب محمود طاهر، أمين سر لجنة الإسكان، الذي ربط بين مشروعات الصرف الصحي ومواجهة تحديات فقر المياه، مؤكدًا أن كل قطرة مياه أصبحت فرصة للتنمية والحياة.
لكن طاهر لم يكتفِ بالحديث عن أهمية المشروع، بل وجه رسالة تتعلق بسرعة تنفيذ مشروعات الصرف الصحي المتأخرة، مطالبًا الحكومة بجداول زمنية واضحة ومحددة لدخولها الخدمة، ومشددًا على أن المواطنين ينتظرون نتائج ملموسة على الأرض، وليس مجرد وعود على الورق.
وفي السياق نفسه، أعلن النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، موافقة الحزب على قرض الجبل الأصفر، باعتباره مرتبطًا بملف حيوي يتعلق بالأمن المائي، لكنه أثار ملاحظات بشأن طريقة احتساب أسعار الفائدة المتغيرة وتكلفة إعادة التمويل، مطالبًا بتحسين شروط الاقتراض حتى لا يتحول التمويل التنموي إلى تكلفة تقترب من القروض التجارية.
«كفاية قروض».. مواجهة تحت القبة بسبب الصناعة الخضراء
انتقلت المناقشات إلى قرار رئيس الجمهورية رقم 74 لسنة 2026، بشأن قرض بقيمة 45 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية لتمويل مشروع «الصناعة الخضراء المستدامة».
ويستهدف القرض تمويل الشركات الصناعية في القطاعين العام والخاص، لمساعدتها على الحد من التلوث الصناعي وخفض الانبعاثات، من خلال التوسع في استخدام الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الحيوي.
لكن هذه الاتفاقية فتحت بابًا لمواجهة نيابية حول استمرار الاقتراض.
النائب فريدي البياضي أعلن رفضه للقرض، مطلقًا عبارة لافتة تحت القبة: «كفاية قروض.. ارحمونا وارحموا أولادنا»، وانتقد استمرار الحكومة في طلب تمويلات جديدة دون تقديم كشف حساب واضح عن نتائج القروض السابقة.
واستند البياضي إلى أرقام موازنة العام المالي 2026/2027، مشيرًا إلى أن فوائد الديون وحدها تبلغ نحو 2.42 تريليون جنيه، بينما تتجاوز الفوائد والأقساط مجتمعة 5.2 تريليون جنيه.
وطالب الحكومة بالكشف عن المبالغ التي جرى سحبها من قرض سابق بقيمة 135 مليون يورو لبرنامج الصناعة الخضراء، وعدد المصانع التي استفادت منه، والنتائج التي تحققت قبل الموافقة على تمويل جديد.
كما انتقدت النائبة إيرين سعيد غياب التقييم الواضح لنتائج التمويلات السابقة، وأثارت تساؤلات بشأن واقع السياسات البيئية والصناعية.
وبينما رفض البياضي القرض، كان السؤال الأبرز الذي طرحته المناقشات: هل تحقق القروض عائدًا اقتصاديًا وخدميًا يبرر أعباء سدادها؟ وهل تقدم الحكومة كشف حساب للرأي العام عن نتائج التمويلات السابقة؟
منح لتحلية المياه.. 5 محطات باستثمارات متوقعة 800 مليون دولار
لم تكن الاتفاقيات الأربع كلها قروضًا، إذ ناقش المجلس قرار رئيس الجمهورية رقم 373 لسنة 2026 بشأن منحتي مشروع تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة، ضمن محور المياه ببرنامج «نُوَفّي».
وتبلغ المنحة الأولى 500 ألف يورو من مرفق المياه الأفريقي، والثانية 280 ألف وحدة حسابية من صندوق المساعدة الفنية للبلدان ذات الدخل المتوسط.
وتستهدف المنحتان تمويل الدراسات الفنية والبيئية والاجتماعية اللازمة لإنشاء 5 محطات لتحلية مياه البحر في الإسكندرية والبحر الأحمر ومطروح وبورسعيد، بطاقة إجمالية مستهدفة تبلغ 525 ألف متر مكعب يوميًا.
ومن المقرر أن تساهم هذه الدراسات في تجهيز المشروع لجذب استثمارات من القطاع الخاص تصل إلى نحو 800 مليون دولار، على أن تدخل المحطات الخدمة وفق الجدول المستهدف بنهاية عام 2030.
وأكد رئيس لجنة الإسكان النائب أحمد شلبي أن المنحتين لا تُردان ولا تمثلان قروضًا جديدة أو أعباء سداد على الدولة في هذه المرحلة.
مليونا يورو لتدريس الفرنسية.. ومطالبة بتدريس العربية في فرنسا
أما الاتفاقية الرابعة، فتتعلق بقرار رئيس الجمهورية رقم 391 لسنة 2026، بشأن منحة بقيمة مليوني يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية لدعم تدريس اللغة الفرنسية باعتبارها لغة أجنبية ثانية في المدارس الحكومية المصرية.
وتتضمن الاتفاقية تطوير المناهج وأساليب التدريس، وتدريب المعلمين والموجهين، ورفع كفاءة العملية التعليمية، واستكمال المرحلة الثانية من مشروع التعاون بين مصر وفرنسا.
وخلال المناقشات، طالب النائب فتحي قنديل بأن يكون التعاون الثقافي والتعليمي متبادلًا، داعيًا إلى تدريس اللغة العربية في فرنسا، بالتوازي مع دعم تدريس الفرنسية في المدارس المصرية.
وزير التعليم يعتذر.. وأزمة مستبعدي مسابقة المعلمين تنتظر الإجابات
وبعيدًا عن الجلسة العامة، كان من المقرر أن تعقد لجنة التعليم والبحث العلمي اجتماعين لمناقشة عدد من الملفات المتعلقة بمسابقة تعيين المعلمين، وعلى رأسها أزمة استبعاد متقدمين من المرحلة الخامسة لمسابقة الـ30 ألف معلم، رغم اجتيازهم الاختبارات والتدريبات المطلوبة.
كما كان مقررًا بحث شكاوى تتعلق بمعايير المفاضلة والوزن النوعي والتوزيع الجغرافي، وموقف المتقدمين الذين لم تستكمل إجراءات تعيينهم، إلى جانب ملف تعيين 72 ألف معلم.
لكن أمانة شؤون اللجان أخطرت أعضاء المجلس باعتذار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف عن حضور الاجتماعين، دون إعلان سبب الاعتذار في الإخطار أو تحديد موعد بديل.
وبذلك بقيت أسئلة المتقدمين للمسابقة مطروحة أمام اللجنة، وفي مقدمتها: لماذا استُبعد متقدمون اجتازوا الاختبارات؟ وما معايير الاختيار؟ ومتى يحصل أصحاب الشكاوى على إجابات واضحة؟
ماذا تقول حصيلة اليوم البرلماني؟
بين قرضين بقيمة 155 مليون يورو، ومنح دولية لدعم مشروعات المياه والتعليم، شهد مجلس النواب نقاشًا يتجاوز الموافقة على اتفاقيات التمويل إلى اختبار جدواها ونتائجها على أرض الواقع.
ففي ملف الصرف الصحي، كانت الرسالة هي ضرورة إنهاء المشروعات المتأخرة بدلًا من الاكتفاء بالوعود، وفي ملف القروض ارتفعت المطالبات بكشف حساب عن التمويلات السابقة، بينما بقيت أزمة تعيين المعلمين في انتظار ردود وزارة التربية والتعليم.
أربعة ملفات مختلفة، لكن يجمعها سؤال واحد: كيف تتحول القرارات والتمويلات والمناقشات البرلمانية إلى نتائج حقيقية يشعر بها المواطن؟


